مدني أحمد عثمان أبو نيران: تجليات “الأنا” في مسارها الشعري أو ليلة العرس المقدس، قراءة تحليلية في قصيدة “أنشودة الجن” للتيجاني يوسف بشير.

مدخل.
ولد الشاعر أحمد التيجاني يوسف بشير محمد الإمام جذري بأم درمان عام 1912، ولقب بالتيجاني تيمناً بصاحب الطريقة المعروفة العارف الشيخ أحمد التيجاني، بدأ تعليمه بخلوة عمه الشيخ محمد القاضي الكتيابي، فحفظ القرآن ثم رسم طريقه إلى المعهد العلمي بأم درمان متلقياً دروسه في اللغة العربية والفقه، ثم اتصل بالصحافة ثم انقطع متنقلاً يبحث عن العمل في مجالات أخرى، كان قارئاً جيداً في شتى ضروب المعرفة، وقد حق له استيعاب كتب الأدب القديم، التصوف والفلسفة، كما كانت له متابعات متميزة لرموز المدرسة الرومانسية في شعراء أوروبا كوردزورث، كلوريدج، غوتة، وفيخته وغيرهم ممن ممثلوا المدرسة الرومانتيكية في الأدب العالمي، ولم يتوقف عن القراءة والكتابة حتى وهو على فراش المرض، وقصيدته على فراش الموت دليل على ذلك، حتى توفي عن عمر لم يتجاوز الخامسة والعشرين، رحمه الله.
المنهج:
إن نقد النص يستغرق مفهوم وسلطة النص، لأن النقد من جهة استكشاف للمفهوم ومن جهة أخرى تفكيك لسلطة النص، فالدخول إلى فضاء النص كقارئ ناقد يجب أن تحيطه المساءلة والاستنطاق عبر آليات الحفر والتفكيك، لأن النص في علاقاته الدلالية ورمزيته بات يشكل منطقة من مناطق عمل الفكر حسب مقولة نظريات النقد الحداثي وما بعدها، هذا ما يستوعبه المنهج النقدي المتبع في هذه الدراسة من ناحية الوافد من النظريات، ولكن للموروث الثقافي آليات تستطيع أن تكشف ما وراء ظاهر النصوص الأدبية، وأعني بذلك القدرة التأويلية كمنهج ديني يمكن توظيفه في فك طلاسم المسكوت عنه داخل النص الإبداعي، لذا فالمنهجية المستخدمة في نقد النصوص ومنها هذا النص الجاري، هو محصلة تزاوج الوافد كمستوعب داخل إطار الموروث الذاتي الذي لا غنى عنه في تطوير مفاهيم النظرية النقدية والأدبية لتواكب تيار الفكر العالمي.
الرموز الدالة في النص.
الجن:
الجن مخلوقات نارية خلقت للعبادة كما الإنس، وهو من المسميات المرنة التي تنسحب على الرقائق اللطيفة غير المرئية، والجن لغة يأتي من اشتقاق الكلمة جن بمعنى استتر، جاء ذلك عند الفيروز أبادي، وقد قال ابن منظور في الحديث: جن عليه الليل أي ستره، وبه سمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه، ولكنه من المؤكد أن عدم رؤية الجن تأتي لسببين جوهريين، هما رقة أجسامهم ولطافتها، ثم ضعف أبصارنا ولو أن الله أراد لنا أن نراهم لقوى أبصارنا أو جعل أجسامهم أكثر كثافة.
والشاعر في هذه القصيدة استعاد لفظة أنشودة الجن، كمعادل موضوعي يقوي به الدلالة على رهافة الحس ولطافة المعنى المنشود داخل النص في حالته الغنائية.
الخمر(4):
الخمر من الرموز التي عرفت انتشاراً كبيراً عند الشعوب، وذلك لارتباطها بالقدرة التحويلية الهائلة الكامنة فيها والتي جعلت الكثير من الشعوب القديمة ذات مصدر إلهي، فهي رمز العبور بين عالمي المادة والروح، بسبب حُميا سكرها التي يجعل الشارب يدخل في بعد مختلف عن الأبعاد الأخرى المألوفة لوجوده، مع الإحساس بالتحرير والانطلاق والفرح، وللخمر علاقة بالدم واضحة من ناحية اللون وبالذات خمر العنب الذي يشار إليه بدم العنب، وقد انتبه الصوفية إلى رمزية الخمر ووظفوها كثيراً للتعبير عن حالة الوجد التي تنتاب السالك، عندما يبلغ منه العشق الإلهي مبلغاً يغيب فيه عن شهود المحس من نفسه، مثلما يغيب السكران عن كل ما يحيط به كما قال أحدهم:
شربوا بأقداح الصفا لما صفوا ** سكروا فلاحت منهم رقصات
ظهرت عليهم من بواطن سره ** كاسات بشر كلها راحات
أخيراً تبقى خمرية بن الفارض أجمل ما قيل في رمزية الخمر، كتعبير عن معاني التحول والغياب والعشق والفناء في الذات الإلهية.
شربنا على ذكر الحبيب مدامة ** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
المغزى:
متن القصائد الواردة في سفر الديوان (إشراقة)، هذا من الناحية المكانية والزمانية، ولكن هنالك انتصاف فكري تمثله القصيدة وهي وقوعها في المجال الفكري للشاعر، بين رؤيته الفلسفية وتصوفه السني، وما يتبعهما من تأرجح بين الشك واليقين في مسار حركته الفكرية وبين قصيدته في الموحي والتي أعتقد أنها كانت هي بلسم عنائه الفكري وواحة استظلت بها شوارده النفسية، حيث التأمت بها أناه المنشطرة بين الأنا الوافدة (قلب الفيلسوف) والأنا الموروثة (الصوفي المعذب)، لذا تعتبر قصيدة (أنشودة الجن) بمثابة ليلة العرس المقدس والتئام الذات الشاعرة كمدخل تزاوجي تنعم به رؤيا الشاعر، وبؤرة التقاء الرؤى المختلفة التي التقت في معين فلسفة وحدة الوجود عند الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي رائد التصوف الفلسفي.
فطرير الشباب المستدعى بصيغة الأمر، هو أنا الذات المتقدة وجداً بخمر عرفان حقيقتها بعد مخاض سلكته تمهيداً للتحرير من كثافة الجسد والانطلاق لخوض مقام الإسراء عبر البراري للتغني بنشيد الغزل الإلهي لحظة سريان خمرة الحب المسكوب بدم العاشق، ليتم الفرح وتكتمل الرؤيا المنشودة من خلال استمرارية فعل الأمر الذي ظل مبتدأ به في كل أبيات القصيدة، والتغني بأنشودة الجن دلالة رافدة إلى الحالة الشعورية التي تسكن الشاعر، حالة العرس المقدس الذي يتطلب غناء خاصاً هامساً طرياً ومستتراً كحال لطافة الجن واستتاره، فالأنا المتحدة/ قرين الشعر والقناع عند الشاعر تنطلق لتجوب الصحاري والغابات وما فيها من معابد ومرابد وأبنية وجبال وكناري، لتكون في حالة رقص مصاحب لهذا الفرح، حتى يشهد الأعراب روعة هذا المشهد الذي تم استنفاره كموكب كرنفالي يرقص على موسيقى الغناء الكوني
الشعري، التي تم فيها التقاط الصور الشعرية بعدسات الشعور المهموس رجعاً وترديداً، فالشاعر يخاطب أناه التي تمثلت تلك الصور والمشاهد بأن تتحد بجسده رسماً وتصوراً على مناطق الحس والأعصاب حتى يتذوق هذا الجمال الكوني الذي صار جزءا من وجوده المنشود، ولكي يتحقق ذلك لابد من تزاوج آخر بين الأنا المتحدة في صراعها الآني مع الآخر (المجتمع/ الطبيعة) حتى تتحرر الذات من جملة الصراعات والانشقاقات وتكون حاضرة في صفائها الروحي لتستقبل لحظة التجلي لتحقيق الوجود المغاير (الفردوس المعوض) من خلال عبقرية الشعر التخيلية، وهو ما سوف نشهده محققاً في قصيدة (في الموحى) التي تمثل غاية المغزى الشعوري للشاعر من خلال توليد الطاقة الشعرية بخيالها المجنح.
قم لمحاك في الدجى بين صحوان ندى وبين سهوان ساكر
ينفخ الله في مشاعرك اليغظى وجوداً فخم التصاوير فاخر
ويفجر لك الغيوب وينشر بين عينيك عالماً من ذخائر
فتخير وصف وصور رؤى الوحي وصغ واصنع الوجود المغاير
المشار إليهم:
التيجاني يوسف أراد في مساره أن يحقق وجودا مغايرا كفردوس معوض، لفردوس مفقود عبر الخطاب الشعري، هذا الفردوس المفقود الذي يعتبره خطيئة الكون الأولى منذ سقوط آدم نتيجة عدم الالتزام بالأمر الإلهي. إن استخدام فعل الأمر المتكرر يعكس الحالة الشعورية للشاعر التي تلتزم ضرورة التغني والتغزل بالحب الإلهي عن طريق النشيد الهامس الشفاف كمنولوج داخلي غير مرئي أو مسموع بعد الجلوس على النفس. الزمان في هذه القصيدة عند الشاعر لا يتخذ مساراً خطياً يميز فيه ما مضى من الحاضر أو مما سيأتي، بل الزمان كتلة دائرية متجمعة أو ما يشبه الدائرة، فهو يروح ويجيء في الأعم والأغلب عند الحاضر الذي هو نقطة التقاء الزمن الماضي بالرؤيا المستقبلية، وهذا واضح في أن القصيدة بدأت بخطاب الأنا ثم تحركت لخطاب الآخر ثم عادت إلى خطاب الأنا مرة ثانية في مقطعها الأخير بإحساس دائري عند لحظة حاضرة. المراجع: 1-ديوان إشراقة. 2-كتاب نظرية النقد الحديث – د. محيي الدين صبحي. 3-عالم الجن – د. السيد الجميلي. 4-قراءة صوفية لإنجيل يوحنا – د. مظهر الملوحي. 5-المصطلح أشار إليه د. محمد عبد الحي في دراسته عن الشاعر (الرؤيا والكلمات).

52 thoughts on “مدني أحمد عثمان أبو نيران: تجليات “الأنا” في مسارها الشعري أو ليلة العرس المقدس، قراءة تحليلية في قصيدة “أنشودة الجن” للتيجاني يوسف بشير.

  1. كي تكتمل صورة التحليل كان لزاما إيراد النصوص عند التطرق لها.. حتى بالنسبة للمطلع على القصيده ناهيك عمن لم

  2. You actually make it seem so easy with your presentation however I in finding this matter
    to be really one thing which I feel I might by no means understand.
    It sort of feels too complex and extremely huge for me.
    I’m taking a look forward on your next submit, I’ll attempt to get the hang of it!

  3. Great goods from you, man. I have understand your stuff previous to and you are just too great.
    I actually like what you have acquired here, really like what you’re saying and the way in which you say it.
    You make it entertaining and you still care for
    to keep it wise. I cant wait to read much more from you. This is really a great
    site.

  4. Simply desire to say your article is as amazing. The clarity on your post is simply spectacular and that i could assume you
    are knowledgeable in this subject. Fine together with
    your permission let me to clutch your RSS feed to stay up to date with imminent post.
    Thanks a million and please continue the gratifying work.

  5. I love your blog.. very nice colors & theme. Did you create this website yourself or did you hire someone to do it for you?

    Plz respond as I’m looking to design my own blog and would like to find out where u got this from.
    appreciate it

  6. Greetings! This is my first visit to your blog! We are a collection of volunteers and starting a new
    initiative in a community in the same niche. Your blog provided us valuable information to work on. You have
    done a marvellous job!

  7. Hi there just wanted to give you a quick heads up.

    The words in your content seem to be running off the screen in Chrome.
    I’m not sure if this is a format issue or something to do with web browser compatibility
    but I figured I’d post to let you know. The layout look great though!

    Hope you get the problem solved soon. Kudos

  8. Excellent post. I was checking continuously this blog and I am impressed!
    Extremely helpful information specifically the last part 🙂 I care for such info a lot.
    I was looking for this particular info for a very long time.

    Thank you and good luck.

  9. Thank you for sharing superb informations. Your site is very cool. I am impressed by the details that you?¦ve on this blog. It reveals how nicely you understand this subject. Bookmarked this web page, will come back for extra articles. You, my pal, ROCK! I found simply the information I already searched all over the place and simply couldn’t come across. What a great website.

  10. Fantastic goods from you, man. I have remember your stuff previous to and you’re just too magnificent. I actually like what you have got here, certainly like what you’re saying and the way wherein you assert it. You’re making it enjoyable and you still care for to keep it smart. I can’t wait to read far more from you. That is actually a tremendous website.

  11. Simply want to say your article is as astounding. The clearness to your publish is simply spectacular and i could assume you’re an expert in this subject.
    Well together with your permission let me to grasp your RSS feed to keep up to date with impending post.
    Thank you a million and please carry on the rewarding work.
    snoran plus

  12. Thanks for finally writing about > مدني أحمد عثمان أبو نيران:
    تجليات “الأنا” في مسارها الشعري
    أو ليلة العرس المقدس، قراءة تحليلية في قصيدة “أنشودة الجن” للتيجاني يوسف
    بشير. – مَـجَـلَّـة الـوَرَّاقُـونْ patatas adelgazamiento

  13. First off I want to say terrific blog! I had a quick question that I’d like to ask if you don’t mind.
    I was curious to know how you center yourself and clear your thoughts prior to writing.

    I’ve had a tough time clearing my thoughts in getting my ideas out.
    I do take pleasure in writing but it just seems like the first 10 to
    15 minutes are usually wasted just trying to figure
    out how to begin. Any suggestions or tips?
    Cheers! 5 metodi efficaci per scacciare il grasso

  14. Oh my goodness! an amazing article dude. Thanks Nonetheless I am experiencing challenge with ur rss . Don’t know why Unable to subscribe to it. Is there anybody getting similar rss downside? Anybody who is aware of kindly respond. Thnkx

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.